ابن شعبة الحراني
305
تحف العقول عن آل الرسول ( ص )
فإنك قد جعلت طبيب نفسك وعرفت آية الصحة وبين لك الداء ودللت على الدواء . فانظر قيامك على نفسك . وإن كانت لك يد عند إنسان فلا تفسدها بكثرة المن والذكر لها ولكن اتبعها بأفضل منها ، فإن ذلك أجمل بك في أخلاقك وأوجب للثواب في آخرتك . وعليك بالصمت تعد حليما - جاهلا كنت أو عالما - فإن الصمت زين لك عند العلماء وستر لك عند الجهال . يا ابن جندب إن عيسى ابن مريم عليه السلام قال لأصحابه : " أرأيتم لو أن أحدكم مر بأخيه فرأى ثوبه قد انكشف عن بعض عورته أكان كاشفا عنها كلها أم يرد عليها ما انكشف منها ؟ قالوا : بل نرد عليها . قال : كلا ، بل تكشفون عنها كلها - فعرفوا أنه مثل ضربه لهم - فقيل : يا روح الله وكيف ذلك ؟ قال : الرجل منكم يطلع على العورة من أخيه فلا يسترها . بحق أقول لكم إنكم لا تصيبون ما تريدون إلا بترك ما تشتهون . ولا تنالون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون . إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة وكفى بها لصاحبها فتنة . طوبى لمن جعل بصره في قلبه ولم يجعل بصره في عينه . لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب وانظروا في عيوبكم كهيئة العبيد . إنما الناس رجلان : مبتلى ومعافى فارحموا المبتلى واحمدوا الله على العافية " . يا ابن جندب صل من قطعك . وأعط من حرمك . وأحسن إلى من أساء إليك . وسلم على من سبك . وأنصف من خاصمك . واعف عمن ظلمك ، كما أنك تحب أن يعفى عنك ، فاعتبر بعفو الله عنك ، ألا ترى أن شمسه أشرقت على الأبرار والفجار . وأن مطره ينزل على الصالحين والخاطئين . يا ابن جندب لا تتصدق على أعين الناس ليزكوك ، فإنك إن فعلت ذلك فقد استوفيت أجرك ، ولكن إذا أعطيت بيمينك فلا تطلع علينا شمالك ، فإن الذي تتصدق له سرا يجزيك علانية على رؤوس الاشهاد في اليوم الذي لا يضرك أن لا يطلع الناس على صدقتك . واخفض الصوت ، إن ربك الذي يعلم ما تسرون وما تعلنون ، قد علم ما تريدون قبل أن تسألوه . وإذا صمت فلا تغتب أحدا . ولا تلبسوا صيامكم بظلم . ولا تكن كالذي يصوم رئاء الناس ، مغبرة وجوههم ، شعثة رؤوسهم ،